حوار

نتالينا يعقوب: استعادة الثقة بين السودانيين حجر الزاوية لأي مشروع وطني

2025-07-15الأمانة العامة لمجلس السلم الاجتماعيحاوره: إيليا روماني وليم
مشاركة:

حوار مع الأمين العام للمجلس الأعلى للسلم الاجتماعي حول تحديات التماسك المجتمعي، خطاب الكراهية، وأولويات المرحلة المقبلة.

تتناول الأمين العام للمجلس الأعلى للسلم الاجتماعي نتالينا يعقوب أبوه كنونه (Natalina Yacoub Abbo) في هذا الحوار أبرز التحديات التي يمكن أن تهدد التماسك المجتمعي في السودان، وخطط مواجهة خطاب الكراهية.

كما تتحدث عن أولويات المجلس خلال المرحلة المقبلة ورؤيته لدور المؤسسات المجتمعية، مؤكدة أن استعادة الثقة بين السودانيين تمثل حجر الزاوية في أي مشروع وطني لبناء المستقبل.

أبرز ما جاء في الحوار

  • «نحن اليوم أمام مسؤولية وطنية وأخلاقية لحماية الروح الاجتماعية التي ظل السودانيون يحافظون عليها عبر عقود طويلة من التعايش والتنوع.»
  • «خطتنا تبدأ ببناء خطاب وطني جامع يعيد التذكير بأن السودان أكبر من القبيلة وأكبر من الجهة وأكبر من أي انقسام سياسي أو اجتماعي.»
  • «أؤمن أن معركة السودان اليوم ليست فقط معركة سياسية أو عسكرية، بل أيضاً معركة وعي وأخلاق وإنسانية.»
  • «اللحظة الحالية لا تحتمل العمل الشكلي أو الحسابات الضيقة، بل تحتاج إلى كل جهد وطني صادق.»
  • «أبناء وبنات السودان يستحقون مستقبلاً أفضل من الخوف والانقسام.»

1.في ظل الحرب… ماذا يمكن أن يفعل المجلس عملياً على الأرض؟

في ظل الحرب، لا يكفي أن نتحدث عن السلام كشعار جميل أو كفكرة مثالية بعيدة عن الواقع. نحن اليوم أمام مسؤولية وطنية وأخلاقية كبيرة، لأن ما يحدث في السودان لا يهدد فقط الأمن والاستقرار، بل يهدد الروح الاجتماعية التي ظل السودانيون يحافظون عليها عبر عقود طويلة من التعايش والتنوع.

دور المجلس الأعلى للسلم الاجتماعي على الأرض يبدأ من حماية الإنسان السوداني من الانهيار النفسي والاجتماعي الذي تصنعه الحرب. نحن نعمل على احتواء النزاعات المجتمعية، والتدخل لخفض التوترات المحلية، ودعم مبادرات المصالحة بين المكونات المختلفة، خاصة في المناطق التي تأثرت بالحرب بصورة مباشرة.

كذلك نسعى إلى إعادة بناء الثقة بين الناس، لأن أخطر ما تخلّفه الحروب ليس فقط الدمار المادي، بل تحطيم الثقة بين أبناء الوطن الواحد. عندما يبدأ المواطن في النظر إلى الآخر كتهديد، هنا تكون الحرب قد دخلت إلى عمق المجتمع.

لذلك نحن نعمل مع القيادات الأهلية، والمؤسسات الدينية، والشباب، والنساء، والإعلام، وكل القوى المجتمعية التي تؤمن بأن السودان لا يمكن أن ينهض إلا بوحدة شعبه. كما نهتم بالوجود داخل مناطق النزوح واللجوء، لأن السلام الحقيقي لا يُصنع بعيداً عن معاناة الناس.

أنا أؤمن أن مسؤوليتنا اليوم ليست فقط معالجة آثار الحرب، بل حماية مستقبل السودان من أن يتحول إلى مجتمع ممزق تحكمه الكراهية والخوف والانتقام. ولهذا فإن المجلس لا يعمل من أجل الحاضر فقط، بل من أجل الأجيال القادمة أيضاً.

2.لماذا تم إنشاء المجلس الأعلى للسلم الاجتماعي في هذا التوقيت تحديداً؟

لأن السودان يمر بلحظة تاريخية دقيقة وخطيرة للغاية. نحن لا نعيش فقط أزمة سياسية أو عسكرية، بل نواجه تهديداً حقيقياً للنسيج الاجتماعي السوداني وللعلاقات الإنسانية التي كانت تمثل دائماً أحد أعمدة قوة هذا الوطن.

في أوقات الحروب، تتوسع الانقسامات، وتزداد مشاعر الخوف، وتظهر خطابات الكراهية والتحريض، وقد يفقد الناس ثقتهم في بعضهم البعض. وهنا تصبح الحاجة إلى مؤسسة وطنية تُعنى بالسلم الاجتماعي ضرورة حقيقية وليست مجرد إضافة إدارية أو سياسية.

إن إنشاء المجلس في هذا التوقيت يحمل رسالة واضحة، وهي أن السودان لا يريد فقط إنهاء الحرب، بل يريد أيضاً حماية مجتمعه من الانهيار. لأن إعادة بناء الطرق والمباني قد تكون أسهل بكثير من إعادة بناء الثقة بين الناس إذا انهارت بالكامل.

المجلس جاء ليؤكد أن السلام ليس مجرد اتفاق بين أطراف سياسية، بل عملية مجتمعية وإنسانية طويلة تبدأ من إعادة الاعتبار لقيمة الإنسان السوداني، ومن ترسيخ ثقافة الحوار والتعايش والاحترام المتبادل.

وأنا أرى أن السودان اليوم يحتاج إلى صوت يجمع ولا يفرق، يهدئ ولا يؤجج، ويمنح الناس أملاً بأن هذا الوطن ما زال قادراً على النهوض رغم كل الجراح.

3.كيف يعرّف المجلس مفهوم «السلم الاجتماعي» وسط واقع الحرب؟

السلم الاجتماعي بالنسبة لنا ليس مجرد غياب للسلاح أو توقف لإطلاق النار. لأن الحرب قد تتوقف عسكرياً بينما تستمر داخل النفوس والعقول والذاكرة. لذلك نحن ننظر إلى السلم الاجتماعي باعتباره حالة من الثقة والاحترام والشعور بالأمان والانتماء بين الناس.

السلم الاجتماعي يعني أن يشعر كل سوداني بأن كرامته محفوظة، وأن اختلافه لا يجعله مستهدفاً أو معزولاً. يعني أن يكون التنوع مصدر قوة لا سبباً للصراع. ويعني أن نتعامل مع بعضنا البعض كشركاء في الوطن وليس كخصوم أو أعداء.

في ظل الحرب الحالية، أصبح الحفاظ على السلم الاجتماعي تحدياً مصيرياً. لأن المجتمعات عندما تتعرض للعنف لفترات طويلة، قد تبدأ في فقدان قدرتها على التعايش. وهنا يأتي دورنا في إعادة ترميم الثقة، وحماية الروابط الإنسانية، ومنع خطاب الكراهية من أن يتحول إلى ثقافة عامة، كما أن بناء السلام يحتاج إلى شجاعة أكبر بكثير من صناعة الحرب.

4.هل يمثل المجلس كل الأقاليم والمكونات الاجتماعية في السودان؟

السودان لا يمكن اختصاره في قبيلة واحدة أو جهة واحدة أو ثقافة واحدة. السودان وطن غني بتنوعه، وهذا التنوع يجب أن يكون مصدر قوة حضارية وإنسانية، وليس سبباً للانقسام أو الصراع.

المجلس يعمل بروح قومية شاملة تؤمن بأن كل السودانيين شركاء في هذا الوطن، وأن أي مشروع حقيقي للسلام لا يمكن أن ينجح إذا قام على الإقصاء أو التهميش.

نحن نريد أن يشعر المواطن في دارفور، وفي كردفان، وفي الشرق، وفي الشمال، وفي الوسط، وفي الخرطوم، وحتى في مناطق النزوح واللجوء، أن هذا المجلس يمثله ويحمل همومه ويستمع إلى صوته.

كما نؤمن بأن النساء والشباب والإدارات الأهلية والمجتمعات المحلية يجب أن تكون جزءاً أساسياً من صناعة السلام، لأن السلام الحقيقي لا يُفرض من فوق، بل يُبنى من داخل المجتمع نفسه.

أنا أؤمن أن قوة السودان الحقيقية ليست في تشابه أبنائه، بل في قدرتهم على التعايش رغم اختلافاتهم، وهذه القيمة يجب أن نحميها بكل ما نستطيع.

5.كيف سيحافظ المجلس على استقلاليته بعيداً عن الاستقطاب السياسي؟

نحن ندرك تماماً أن فقدان الحياد يعني فقدان ثقة الناس، ولذلك فإن استقلالية المجلس ليست خياراً سياسياً فقط، بل شرط أساسي لنجاحه.

المجلس لا يعمل لصالح أي جهة أو تيار، بل يعمل لصالح السودان والإنسان السوداني. نحن نؤمن أن السلم الاجتماعي لا يمكن أن يتحقق إذا أصبح جزءاً من الاستقطاب.

دورنا هو تقريب المسافات، وفتح مساحات للحوار، والحفاظ على صوت الحكمة والعقل في وقت أصبحت فيه لغة الانفعال والكراهية مرتفعة بشكل خطير.

كأمين عام للمجلس، أعتبر أن مسؤوليتنا الأخلاقية هي أن نظل قريبين من الناس جميعاً دون تمييز، وأن نحافظ على مصداقيتنا واستقلاليتنا، لأن السودان اليوم يحتاج إلى جهة تعمل من أجل الوطن فقط، وليس من أجل أي أجندة أخرى.

6.ما أخطر التهديدات التي تواجه السلم الاجتماعي اليوم؟

أخطر ما يهدد السلم الاجتماعي اليوم هو حدوث انقسام مجتمعي عميق. لأن آثاره النفسية والاجتماعية قد تستمر لسنوات طويلة إذا لم تتم معالجتها منذ الآن.

خطاب الكراهية والتحريض القبلي من أخطر التحديات التي نواجهها، لأنه يزرع الخوف والعداء بين الناس، ويحوّل التنوع إلى مصدر تهديد بدلاً من أن يكون مصدر غنى.

هناك أيضاً خطر فقدان الثقة بين المجتمعات، خاصة مع انتشار الشائعات والمعلومات المضللة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والتي أصبحت تؤجج الانقسامات بصورة خطيرة.

كما أن النزوح واللجوء وفقدان الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي كلها عوامل تضغط على المجتمع وتجعله أكثر هشاشة.

أنا أؤمن أن معركة السودان اليوم ليست فقط معركة سياسية أو عسكرية، بل أيضاً معركة وعي وأخلاق وإنسانية. وإذا خسرنا المجتمع، فلن يكون لأي انتصار آخر معنى حقيقي.

7.هل لدى المجلس خطة واضحة لمواجهة خطاب الكراهية والتحريض القبلي؟

نعم، لأننا نعتبر أن خطاب الكراهية أخطر من الحرب نفسها في بعض الأحيان. الحرب قد تتوقف، لكن الكلمات التي تُزرع داخل العقول قد تبقى لسنوات طويلة وتنتج أجيالاً تؤمن بالخوف والانقسام والانتقام.

اليوم نحن نواجه تحدياً خطيراً يتمثل في تحويل الاختلافات الطبيعية داخل المجتمع السوداني إلى أدوات للتحريض. وهذا أمر إذا لم تتم مواجهته بوعي ومسؤولية، فقد يهدد مستقبل السودان لعقود قادمة.

خطتنا تبدأ أولاً ببناء خطاب وطني جامع يعيد التذكير بأن السودان أكبر من القبيلة وأكبر من الجهة وأكبر من أي انقسام سياسي أو اجتماعي. كما نعمل على التنسيق مع المؤسسات الإعلامية والدينية والتعليمية، لأن تشكيل الوعي مسؤولية جماعية.

نحن نؤمن أن الإعلام يجب أن يكون جزءاً من صناعة السلام، وأن المنابر الدينية يجب أن تعيد ترسيخ قيم الرحمة والتسامح، وأن المدارس والجامعات يجب أن تربي جيلاً يؤمن بالتعايش واحترام التنوع.

كما نركز بشكل كبير على الشباب، لأنهم الأكثر استهدافاً بخطابات الكراهية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وفي نفس الوقت هم الأكثر قدرة على صناعة مستقبل مختلف إذا وجدوا التوجيه الصحيح.

أنا أؤمن أن الكلمة قد تنقذ وطناً، وقد تدمره، ولذلك مسؤولية الخطاب اليوم مسؤولية تاريخية وأخلاقية قبل أن تكون سياسية.

8.كيف يمكن احتواء آثار الحرب على النسيج الاجتماعي السوداني؟

احتواء آثار الحرب لا يبدأ بإعادة بناء المباني فقط، بل بإعادة بناء الإنسان نفسه. لأن المجتمعات الخارجة من الحروب تحمل داخلها خوفاً وألماً وذكريات ثقيلة تحتاج إلى معالجة حقيقية وعميقة.

السودان اليوم يحتاج إلى مشروع وطني لإعادة بناء الثقة بين الناس. يحتاج إلى مصالحة مجتمعية حقيقية تقوم على الحوار والاعتراف بالألم والعدالة وحفظ الكرامة الإنسانية.

لا يمكن أن نطلب من الناس أن ينسوا ما حدث بسهولة، لكن يمكننا أن نساعدهم على تجاوز الجراح بطريقة تمنع تحويل الألم إلى كراهية دائمة.

كما أن النساء والأطفال والشباب يحتاجون إلى دعم نفسي واجتماعي كبير، لأنهم الأكثر تأثراً بالحرب. وهناك جيل كامل نشأ تحت صوت الخوف والعنف، وإذا لم نحتضنه اليوم فقد نخسر المستقبل نفسه.

نحن نؤمن أيضاً بأهمية إعادة إحياء الروابط المجتمعية التقليدية التي كان السودان معروفاً بها، مثل التكافل الاجتماعي والتعاون والاحترام المتبادل بين المكونات المختلفة.

أنا أؤمن أن الشعوب العظيمة لا تُقاس فقط بقدرتها على الصمود أثناء الحرب، بل بقدرتها على تضميد جراحها بعد الحرب دون أن تفقد إنسانيتها.

9.هل سيعمل المجلس داخل مناطق النزوح واللجوء؟

بكل تأكيد، لأننا لا نستطيع الحديث عن السلام ونحن بعيدون عن الناس الذين دفعوا أكبر ثمن لهذه الحرب.

النازحون واللاجئون ليسوا مجرد أرقام في تقارير إنسانية، بل هم بشر فقدوا بيوتهم وأمانهم وأحياناً أفراداً من أسرهم وأجزاءً من حياتهم وذكرياتهم. ولذلك فإن مسؤوليتنا الإنسانية والوطنية تفرض علينا أن نكون قريبين منهم.

وجود المجلس داخل مناطق النزوح واللجوء مهم ليس فقط لتقديم الدعم المجتمعي، بل أيضاً لحماية التماسك الاجتماعي داخل هذه البيئات التي تعيش ضغوطاً هائلة.

نحن نريد أن نستمع للناس مباشرة، وأن نفهم احتياجاتهم الحقيقية، وأن نساعد في تقليل التوترات والصراعات الناتجة عن ظروف الحرب والنزوح.

كما نؤمن أن النازحين واللاجئين يجب ألا يُنظر إليهم فقط كضحايا، بل كشركاء أساسيين في إعادة بناء السلام والمجتمع والدولة.

السلام الحقيقي لا يمكن أن يتحقق إذا تُركت الفئات الأكثر تضرراً على هامش المشهد الوطني.

10.ما طبيعة العلاقة بين المجلس ومؤسسات الدولة؟ وهل دوره استشاري أم تنفيذي؟

المجلس يعمل في إطار وطني تكاملي مع مؤسسات الدولة المختلفة، لأن قضية السلم الاجتماعي ليست مسؤولية جهة واحدة، بل مسؤولية دولة ومجتمع معاً.

لكن في نفس الوقت، للمجلس دوره المستقل في حماية التماسك المجتمعي، وتقديم الرؤى والاستراتيجيات، والعمل الميداني عبر المبادرات والشراكات المجتمعية.

نحن لا نريد أن يكون دورنا نظرياً فقط أو محصوراً في التقارير والاجتماعات، بل نريد أن نكون قريبين من الواقع ومن الناس ومن القضايا الحقيقية التي تهدد وحدة المجتمع السوداني.

كما نؤمن أن بناء السلام يحتاج إلى تكامل بين القرار السياسي والعمل المجتمعي، لأن السلام لا يُصنع فقط عبر الاتفاقات الرسمية، بل أيضاً عبر استعادة الثقة بين المواطنين أنفسهم.

وأنا أرى أن المجلس يجب أن يكون صوتاً للحكمة والتوازن، يعمل مع الجميع من أجل هدف واحد: حماية السودان ومستقبله الاجتماعي.

11.هل هناك تنسيق مع المؤسسات الدينية والإعلامية والتعليمية؟

نعم، لأن السلام لا يمكن أن يُبنى بمؤسسة واحدة أو بخطاب واحد. السلام الحقيقي يحتاج إلى شراكة مجتمعية واسعة تشمل كل الجهات المؤثرة في وعي الناس وحياتهم اليومية.

المؤسسات الدينية لها دور كبير في نشر قيم الرحمة والتسامح والتعايش، والإعلام له تأثير مباشر على تشكيل الرأي العام، والتعليم هو الأساس الذي تُبنى عليه عقول الأجيال القادمة.

لذلك نحن نعمل على بناء شراكات حقيقية مع هذه المؤسسات من أجل نشر ثقافة السلام والمسؤولية الوطنية ومواجهة خطاب الكراهية والانقسام.

12.هناك من يرى أن كثرة المجالس والكيانات لا تحقق نتائج ملموسة… كيف تردون؟

أنا أتفهم هذا الشعور تماماً، لأن المواطن السوداني تعب من كثرة الشعارات والوعود ويريد أن يرى نتائج حقيقية يشعر بها في حياته اليومية.

لكنني أؤمن أن المشكلة ليست في وجود المؤسسات، بل في مدى قدرتها على العمل بصدق وفعالية وقرب من الناس. أي مؤسسة لا تستطيع أن تلامس هموم المواطن بشكل حقيقي ستفقد قيمتها مهما كان اسمها كبيراً.

المجلس بالنسبة لنا ليس مجرد منصب أو واجهة إعلامية، بل مسؤولية وطنية ثقيلة جداً، خاصة في هذا الظرف الحساس الذي يمر به السودان.

نحن لا نريد أن نكون مؤسسة تتحدث كثيراً وتفعل قليلاً، بل نريد أن نكون قريبين من الناس، نستمع إليهم، ونعمل معهم، ونبني ثقتنا عبر الأفعال وليس عبر التصريحات فقط.

13.ما هي أولويات المجلس؟

أولوياتنا تبدأ أولاً بالاستماع للناس وفهم الواقع الحقيقي على الأرض. لا يمكن أن نبني خططاً ناجحة ونحن بعيدون عن معاناة المجتمعات المتأثرة بالحرب.

نعمل على إعداد خريطة واضحة للتحديات التي تهدد السلم الاجتماعي، سواء كانت نزاعات محلية، أو خطاب كراهية، أو انقسامات مجتمعية تحتاج إلى تدخل عاجل.

كما سنركز على إطلاق مبادرات للحوار والمصالحة المجتمعية، خاصة في المناطق الأكثر تأثراً بالحرب، إضافة إلى بناء شراكات مع المؤسسات الوطنية والدولية التي تدعم السلام والاستقرار المجتمعي.

ومن أولوياتنا أيضاً الوصول إلى مناطق النزوح واللجوء، ودعم المبادرات الشبابية والنسوية، لأن الشباب والنساء هم من أكثر الفئات قدرة على صناعة التغيير الإيجابي إذا أُعطوا المساحة والدعم.

كذلك نعمل على بناء خطاب وطني جامع يعيد للناس الإحساس بالأمل والانتماء، لأن المجتمع الذي يفقد الأمل يصبح أكثر عرضة للانقسام واليأس.

وأنا أؤمن أن السودان اليوم يحتاج إلى كل جهد وطني صادق يمكن أن يساهم في حماية وحدته ومستقبله، لأن اللحظة الحالية لا تحتمل العمل الشكلي أو الحسابات الضيقة.

14.ما الصورة التي يعمل المجلس على تحقيقها للمجتمع السوداني بعد الحرب؟

نحن نعمل من أجل سودان يتجاوز الخوف والانقسام والكراهية، ويتجه نحو بناء مجتمع يقوم على العدالة والتعايش والاحترام المتبادل.

نريد مجتمعاً يشعر فيه كل إنسان بأن له مكاناً داخل هذا الوطن، وأن كرامته محفوظة بغض النظر عن قبيلته أو منطقته أو خلفيته.

كما نطمح إلى بناء ثقافة وطنية جديدة ترى في التنوع قوة وليس تهديداً، وتؤمن بأن السلام ليس مجرد هدنة مؤقتة، بل أسلوب حياة ورؤية للمستقبل.

أنا أحلم بسودان يعود فيه الناس للنظر إلى بعضهم البعض كشركاء في الوطن لا كخصوم، سودان تُبنى فيه العلاقات على الإنسانية والمواطنة لا على الخوف والانقسام.

الحروب قد تدمر الحاضر، لكنها لا يجب أن تدمر المستقبل. ونحن نريد أن نساعد السودانيين على تحويل هذا الألم إلى بداية جديدة أكثر وعياً ونضجاً وإنسانية.

15.هل ما زلتم تؤمنون بقدرة السودانيين على استعادة وحدتهم رغم حجم الجراح الحالية؟

نعم، أؤمن بذلك بكل قلبي وبكل قناعتي. لأنني رغم كل ما حدث، ما زلت أرى في الشعب السوداني روحاً عظيمة لا يمكن للحرب أن تُطفئها بالكامل.

السودانيون عبر تاريخهم عرفوا بالتكافل والتعايش والكرم والقدرة على تجاوز المحن. صحيح أن الجراح الحالية عميقة جداً، لكن الشعوب العظيمة لا تُقاس فقط بحجم الألم الذي مرت به، بل بقدرتها على النهوض بعده.

أنا لا أتحدث هنا فقط كأمين عام للمجلس، بل كامرأة سودانية تؤمن أن هذا الوطن يستحق السلام، وأن أبناءه يستحقون مستقبلاً أفضل من الخوف والانقسام.

أؤمن أن ما يجمع السودانيين أكبر بكثير مما يفرقهم، وأن السودان مهما مر بظروف قاسية سيظل وطناً قادراً على استعادة روحه عندما يختار أبناؤه الوطن فوق الانقسامات، والإنسانية فوق الانتقام.

رسالتي دائماً أن السلام ليس خيار الضعفاء، بل قرار الشجعان الذين يملكون القدرة على تضميد الجراح دون أن يفقدوا إنسانيتهم أو إيمانهم بالمستقبل.

#حوار#نتالينا يعقوب#خطاب الكراهية#المصالحة#النزوح